ابن أبي أصيبعة

445

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

صاحب البلاد « 1 » المصرية والشامية ، والصاحب جمال الدين يومئذ وزيره في سائر البلاد ، وهو صاحب السيف والقلم ، وفي خدمته مائتا فارس ، وتجارينا الحديث ، وتفضل وقال لي : ما سبقك إلى تآليف مثل كتابك في طبقات الأطباء أحد ، ثم قال لي : وذكرت أصحابنا المصريين فقلت له : نعم . فقال : وكأني بك قد أشرت إلى ما في الأطباء المتقدمين منهم مثل : ابن رضوان ، وفي المتأخرين مثل : ابن جميع . فقلت له صحيح يا مولانا ) « 2 » . وحدثني بعض المصريين ، أن ابن جميع كان يوما جالسا في دكانه عند سوق القناديل بفسطاط مصر ، وقد مرت عليه جنازة ، فلما نظر إليها صاح بأهل الميت ، وذكر لهم أن صاحبهم لم يمت ، وأنهم إن دفنوه إنما يدفنوه حيا . قال : فبقوا ناظرين إليه كالمتعجبين من قوله ، ولم يصدقوه فيما قال . ثم إن بعضهم قال لبعض : هذا الذي يقوله ما يضرنا أنا نمتحنه ، فإن كان حقا ( فهو الذي نريده ، وإن لم يكن حقا ) « 3 » فما يتغير علينا شئ . فاستدعوه إليهم . وقالوا : بين لنا الذي قلت . فأمرهم بالمصير إلى البيت ، وأن ينزعوا عن الميت أكفانه « 4 » . وقال لهم : احملوه إلى الحمام . ثم سكب عليه الماء الحار ، وأحمى بدنه ، ونطله بنطولات ، وعطسه . فرأوا منه « 5 » أدنى حس وتحرك حركة خفية « 6 » . فقال : أبشروا بعافيته . ثم تمم علاجه إلى أن فاق وصلح . فكان ذلك مبدأ اشتهاره بجودة الصناعة والعلم ، وظهرت عنه كالمعجزة . ثم إنه سئل بعد ذلك من أين علمت أن ذلك الميت ، وهو محمول وعليه الأكفان ، أن فيه

--> ( 1 ) في ه : الديار . ( 2 ) ما بين الخاصرتين ساقط من أ ( 3 ) ما بين الخاصرتين ساقط من ه . ( 4 ) في و : عنه الكفن . ( 5 ) في ه ، و : فيه . ( 6 ) في ه : خفيفة .